حسن الأمين
226
مستدركات أعيان الشيعة
مفصلا ، وقد أوجز في الكلام على الطرق الأخرى ، واكتفى أحيانا بالأسماء . كما نستطيع أن نقول : إنه عاش في القرنين الثالث والرابع ( 9 و 10 م ) لأنه روى عن رجال من أهل ذينك القرنين . وربما صح أن نقول أيضا : إنه كوفي ، لأنه اهتم بالكوفة وخصها بكثير من العناية والكلام في قصيدته التي وصف بها الطريق ، وكانت آخر مراحل سفره ، وهو بغدادي المنزل ( ظ ) لأنه روى عن علماء كانوا جميعا ببغداد . ولا أدري كيف دلت كلمتي - التي تلي هذه الأسطر - بعض الأفاضل على « افتراض المؤلف ابن الكوفي ، وترجيح نسبة المخطوط إليه » فقد نسب ذلك إلي - مثلا - بلدينا الأخ الشيخ الجليل محمد حسن آل ياسين ( أطال الله بقاءه وأدام تأييده ) . لقد قلت في ص 20 ع 3 من مجلة كلية الآداب : « . . . وظننتها [ أي النسخة الخطية ] ( منازل مكة ) ولكن نسبتها إلى ابن الكوفي أمر ما أزال أتظناه . فالرجل كثير الاستنساخ ، والنقل من منتسخاته شيء معروف . ومهما يكن من شيء ، فان مصنف منازل مكة هذا ؟ رجل كوفي ، قريب من عهد ابن الكوفي - ان لا يكنه - فأكثر الرواة الذين روى عنهم من طبقة مشايخه ، وممن يوافق زمانهم عصره » . وأنا أشكر لمجلة الأقلام استطلاع رأيي ، ولا أنسى الثناء على الشيخ الفاضل الذي رأى أن ينعم علي فيذكرني - استطرادا - في مقالة النفيس ، وهو عجاب من أهل العصر فقد تعودت أن يغمطني حقي كثير ممن نقل عني ، واستفاد من آثاري . وإليه ( حفظه الله ) يعود فضل دلالتي على مقالة الدكتور صالح أحمد العلي - في مجلة المجمع العلمي العراقي - التي هدته إلي إضافة الكتاب إلى أبي عبد الله محمد بن أحمد الأسدي وهو أمر أوسعته بحثا وتتبعا في مقالتي « أثر جغرافي طبغرافي قديم في صفة بلاد العرب لمؤلف عراقي قبل عشرة قرون ، في العدد القابل من مجلة كلية الآداب - إن شاء الله - » . محمد بن أحمد بن جعفر الكناني المصري المعروف بابن الحداد . ولد سنة 264 . ترجم الله الذهبي في سير أعلام النبلاء ووصفه بالشافعي وقال : سمع أبا الزنباع روح بن الفرج ، وأبا يزيد يوسف بن يزيد القراطيسي ، ومحمد بن عقيل الفريابي ، ومحمد بن جعفر بن الإمام ، وأبا عبد الرحمن النسائي ، وأبا يعقوب المنجنيقي ، وخلقا سواهم . ولازم النسائي كثيرا ، وتخرج به ، وعول عليه ، واكتفى به ، وقال : جعلته حجة فيما بيني وبين الله تعالى ، وكان في العلم بحرا لا تكدره الدلاء ، وله لسن وبلاغة وبصر بالحديث ورجاله ، وعربية متقنة ، وباع مديد في الفقه لا يجاري فيه مع التأله والعبادة والنوافل ، وبعد الصيت ، والعظمة في النفوس . ذكره ابن زولاق - وكان من أصحابه - فقال : كان تقيا متعبدا ، يحسن علوما كثيرة : علم القرآن وعلم الحديث ، والرجال ، والكنى ، واختلاف العلماء والنحو واللغة والشعر ، وأيام الناس ، ويختم القرآن في كل يوم ، ويصوم يوما ويفطر يوما . كان من محاسن مصر . إلى أن قال : وكان طويل اللسان ، حسن الثياب والمركوب ، غير مطعون عليه في لفظ ولا فعل ، وكان حاذقا بالقضاء . صنف كتاب « أدب القاضي » ( 1 ) في أربعين جزءا ، وكتاب « الفرائض » في نحو من مائة جزء . نقلت في « تاريخ الإسلام » : أن مولد ابن الحداد يوم موت المزني ، وأنه جالس أبا إسحاق المروزي لما قدم عليهم ، وناظره . وكتابه في « الفروع » مختصر دقق مسائله ، شرحه القفال ، والقاضي أبو الطيب ، وأبو علي السنجي ، وهو صاحب وجه في المذهب . قال أبو عبد الرحمن السلمي : سمعت الدارقطني ، سمعت أبا إسحاق إبراهيم بن محمد النسوي المعدل بمصر ، يقول : سمعت أبا بكر بن الحداد ، يقول : أخذت نفسي بما رواه الربيع عن الشافعي ، أنه كان يختم في رمضان ستين ختمة ، سوى ما يقرأ في الصلاة ، فأكثر ما قدرت عليه تسعا وخمسين ختمة ، وأتيت في غير رمضان بثلاثين ختمة . قال الدارقطني : كان ابن الحداد كثير الحديث ، لم يحدث عن غير النسائي ، وقال : رضيت به حجة بيني وبين الله . وقال ابن يونس : كان ابن الحداد يحسن النحو والفرائض ، ويدخل على السلاطين ، وكان حافظا للفقه على مذهب الشافعي وكان كثير الصلاة متعبدا ، ولي القضاء بمصر نيابة لابن هروان الرملي . وقال المسبحي : كان فقيها عالما كثير الصلاة والصيام ، يصوم يوما ، ويفطر يوما ، ويختم القرآن في كل يوم وليلة قائما مصليا . قال : ومات وصلى عليه يوم الأربعاء ، ودفن بسفح المقطم عند قبر والدته ، وحضر جنازته الملك أبو القاسم بن الاخشيذ ، وأبو المسك كافور ، والأعيان ، وكان نسيج وحده في حفظ القرآن واللغة ، والتوسع في علم الفقه . وكانت له حلقة من سنين كثيرة يغشاها المسلمون . وكان جدا كله رحمه الله . فما خلف بمصر بعده مثله . قال : وكان عالما أيضا بالحديث والأسماء والرجال والتاريخ . وقال ابن زولاق في « قضاة مصر » : في سنة أربع وعشرين سلم الاخشيذ قضاء مصر إلى ابن الحداد ، وكان أيضا ينظر في المظالم ، ويوقع فيها ، فنظر في الحكم خلافة عن الحسين بن محمد بن أبي زرعة الدمشقي ، وكان يجلس في الجامع ، وفي داره ، وكان فقيها متعبدا ، يحسن علوما كثيرة ، منها علم القرآن ، وقول الشافعي ، وعلم الحديث ، والأسماء والكنى والنحو واللغة ، واختلاف العلماء ، وأيام الناس ، وسير الجاهلية ، والنسب والشعر ، ويحفظ شعرا كثيرا ، ويجيد الشعر ، ويختم في كل يوم وليلة ، ويصوم يوما ويفطر يوما ، ويختم يوم الجمعة ختمة أخرى في ركعتين في الجامع قبل صلاة الجمعة ، حسن الثياب رفيعها ، حسن المركوب ، فصيحا غير مطعون عليه في لفظ ولا [ فصل ] فعل ثقة في اليد والفرج واللسان ، مجموعا على صيانته وطهارته حاذقا بعلم القضاء . أخذ ذلك عن أبي عبيد القاضي . وأخذ علم الحديث عن النسائي ، والفقه عن محمد بن عقيل الفريابي ،
--> ( 1 ) في « تذكرة الحفاظ » أدب القضاء .